الشيخ السبحاني
40
مفاهيم القرآن
2 - قال سبحانه : « يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمرِ والمَيْسرِ قُلْ فِيْهِمَا إثْمٌ كَبيِرٌ وَمَنافِعُ للِنَّاسِ وَإِثمُهُما أكبَرُ مِن نَفعِهمَا » ( البقرة / 219 ) . فالآية تشير إلى أنّه لو كان هناك لذّة وطرب لشارب الخمر ، أو مال للاعب الميسر حيث يفوز به من غير كدّ ولا مشقّة ، ولكن إثمهما أكبر من نفعهما . فلأجل ذلك يجب ترك النفع القليل في مقابل الضرر الكبير ، والآية مدنيّة كافية في التحريم ، وذلك لأنّها تصرّح بوجود الإثم في الخمر والميسر ، وقد حرّم الوحي الإلهي الإثم على وجه القطع واليقين قبل هجرة النبي ، قال سبحانه : « إنّمَا حرَّمَ ربِّيَ الَفواحِشَ مَا ظَهرَ مِنْهَا وَما بَطنَ والإثْمَ وَالبَغْيَ » ( الأعراف / 33 ) . وأي بيان أوضح لتحريم الخمر إذا قرنت الآيتان : الواحدة إلى الأُخرى ؟ فالآية الأُولى تحقّق الصغرى وهو أنّ الخمر إثم ، والآية الثانية تصرّح بالكبرى ، وهي أنّ اللَّه سبحانه حرّم الإثم ، فيستنتج منهما أنّه سبحانه حرم الخمر . والعجب إنّ القوم ( مع أَنَّ الآية الثانية التي تحرّم الإثم على وجه الحتم والبت نزلت بمكّة ) ، لم يتنزّهوا من هذا العمل المزيل للعقل ، والمضاد للكرامة الإنسانية ، فكانوا يشربون الخمر في نواديهم حتّى وافاهم الوحي الإلهي بتحريم الصلاة وهم في حال السكر ، إذ قال سبحانه : « يَا أيُّها ا لَّذينَ آمَنُوا لَا تَقْربُو ا الصّلاة وأنتُم سُكارى حَتَّى تَعْلمُوا مَاتَقولُونَ » ( النساء / 43 ) . وهذه الآيات الثلاث التي تعرّفت عليها تلقّاها بعض الصحابة بأنّها ليست بياناً وافياً ، فظلّ يترصّد البيان الأوفى حتّى وافى الوحي الإلهي ، وقال سبحانه : « انَّما الخَمْرُ والمَيسرُ والانصَابُ وَالازلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيطانِ فَاجْتَنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفلِحونَ * انَّمَا يُريدُ الشَّيطانُ انْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الَعداوَةَ وَالبغْضاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسرِ ويَصدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَن الصَّلاةِ فَهَلْ انْتُمْ مُنْتَهُونَ » ؟ ( المائدة / 90 و 91 ) .